Posted on: السبت، 1 مارس 2014

علم الاصول -الحلقة الثانية - الدرس الثالث -

 علم الاصول -الحلقة الثانية –                    
     - الدرس الثالث -  
                             الحكم الشرعي وتقسيمه
 كما نوهنا في الدروس السابقة ان علم الاصول من العلوم النظرية وليس من العلوم التطبيقية , وكنا قد بينا واشرنا الى عدة مسالك ونظريات مختلفة ولعلنا اشرنا الى اننا سنناقش اه تلك المسالك في دروسنا , وهما المسلك المشهور , والمسلك المختار , وهذا الاني هو الذي نعتقد بصحته دون الاول ...
وعلى ذلك فقد عرف المسلك المشهور , الحكم الشرعي بأنه الخطاب الشرعي المتعلق بأفعال المكلفين  .
ومن تعريف الحكم الشرعى يستنتج الآتى :-
قولهم (الخطاب الشرعي ) أي خطاب الله تعالى لرسوله الكريم ولملائكته .أى كلام الله المنزل
وقولهم( المتعلق بأفعال المكلفين ) تمييزا للانسان (المكلف )عن  الخطاب المتعلق بذاته الكريمة(شهد الله أنه لا إله إلا هو (  وعن المتعلق بالجمادات والحيوانات كقوله تعالى : (إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشى والإشراق)..
وهنا تسجل على هذا التعريف عدة اشكالات لعل اهمها :  
-      الخطاب كاشف عن الحكم والحكم مدلول الخطاب فلايصح القول بان الحكم هو الخطاب لان الخطاب كاشف ومبرز ودال على الحكم وليس هو الحكم , الحكم هو مدلول للخطاب , فلو صدر هذا  الخطاب ( اقم الصلاة ) وانتم تقولون بان الحكم هو الخطاب , فما هو الحكم هنا ؟؟ الحكم هو ( الوجوب ) ( وجوب الصلاة ), لكن هذا الحكم ( وجوب الصلاة ) غير موجود في الخطاب الصادر ( اقم الصلاة ) وانتم تقولون بان الحكم هو الخطاب !!  نعم ..الوجوب مستفاد من صيغة الامر في ( اقم ) اذ انها ظاهرة في الوجوب .. اذا  عبارة( اقم الصلاة ) دلت على الحكم وليست هي الحكم ..اذا الخطاب دال على الحكم وليس هو الحكم .
1-                         أن الحكم الشرعي لا يتعلق بأفعال المكلفين دائما (فهناك احكام شرعية لا تتعلق بافعالهم)  بل قد يتعلق الحكم الشرعي  بذوات المكلفين أو بأشياء أخرى ترتبط بهم، لان الهدف من الحكم الشرعي تنظيم حياة الانسان، وهذا الهدف كما يحصل بخطاب متعلق بأفعال المكلفين كخطاب " صل " و " صم " و " لا تشرب الخمر " كذلك يحصل بخطاب متعلق بذواتهم أو بأشياء أخرى تدخل في حياتهم من قبيل الاحكام والخطابات التي تنظم علاقة الزوجية وتعتبر المرأة زوجة للرجل في ظل شروط معينة، أو تنظم علاقة الملكية وتعتبر الشخص مالكا للمال في ظل شروط معينة، فإن هذه الاحكام ليست متعلقة بأفعال المكلفين بل الزوجية حكم شرعي متعلق بذواتهم والملكية حكم شرعي متعلق بالمال.

واما تعريفه عند المسلك المختار : التشريع الصادر من الله تعالى لتنظيم حياة الانسان وتوجيهه .
     إن الهدف من الحكم الشرعي هو تنظيم حياة الإنسان من أربع جهات :
     بينه وبين ربّه ، وبينه وبين نفسه ، وبينه وبين أخيه الإنسان ، وبينه وبين الطبيعـة   ، فالجهـة الأولى تتكفّل بها أحكام العبادات ، والجهة الثانية تتكفّل بهـا أحكام الأخـلاق لأنهـا أحكام تتعلّـق بالنفـس والروح ، والجهة الثالثة تتكفّل بهـا أحكام العلاقـات بين النـاس كعلاقـات الـزوج بزوجتـه وأولاده ، والجهة الرابعة تتكفّل بها أحكام الطبيعة كإحياء الموات والمياه والمعادن .

     لا يوجـد عمـل يقـوم بـه الإنسـان إلا وله حكم شرعي ، فما من واقعة إلا ولهـا حكم كما دلّت عليـه الروايات   ، وكل شيء له حكم شرعي حتى الأفكار التي تخطر في ذهنك ، فكل عملية فكرية ذهنية لها حكم شرعي .

وينقسم الحكم الشرعي الى :
1-          الاحكام التكليفية : وهي الاحكام التي تتعلق بافعال الانسان ولها توجيه عملي مباشر , وتقسم الى ( الوجوب والحرمة والاستحباب والكراهة والاباحة )
2-          الاحكام الوضعية : وهي الاحكام الشرعية التي لا تتعلق بافعال الانسان مباشرة وانما تشرع وضعا معينا بتعلق بذات الانسان او باشياء اخرى مرتبطة بذاته وليس لهذه الاحكام الوضعية توجيه عملي مباشر لسولك الانسان ولا تتعلق بافعال الانسان مباشرة ولكن لها تاثير غير مباشر على افعال الانسان وسلوكه .
وتقسم الاحكام الوضعية الى :-
-      مايقع موضوعا للحكم التكليفي : كالزوجية الواقعة موضوعا لوجوب انفاق الزوج على زوجته , وكالملكية التي تقع موضوعا لحرمة تصرف الغير في المال بدون اذن المالك ..
ماكان منتزعا من الحكم التكليفي : كجزئية( السورة ) للواجب المنتزعة عن الامر بالمركب منها , كما لو قال المولى يجب عليك الصلاة , وكانت الصلاة مركبة من عدة اجزاء , والسورة احد هذه الاجزاء فيكون وجوب السورة منتزعا من وجوب الصلاة, وكذلك سائر الاجزاء الاخرى المكونة منها الصلاة , فحيث ان الامر كان مركبا ( أي الصلاة المكونة من اجزاء كانت السورة جزء من الصلاة , ليس فيها ( أي السورة ) وجوب ولا حرمة ولا اباحة ولا استحباب ولا كراهة وانما حكمها منتزع من الحكم بالمركب أي وجوب الصلاة , وليس فيها ( أي السورة ) حكم مستقل . وكذلك في (شرطية الزوال)  للوجوب المجعول لصلاة الظهر، المنتزعة عن جعل الوجوب المشروط بالزوال.
أمثـلـة :
     مثال 1 : عنـدما نقـول إن " الزوجيّة لا تتم إلا بعقد " فمعنى ذلك أن الـعـقـد شــرط فـي الـزوجـيّــة ، والشـرطـيّــة حـكـم وضــعـي ، ولـكـن عـنـدما نقول إن " الزواج مستحب " فهذا حكم تكليفي .
     مثال 2 : عـندما نقـول " النفقـة واجبـة " فهذا حكم تكليفي لأن الوجوب يقـع ضـمن الأحكام التكليفيـة الخمسـة ، وعندما نقول " النفقة للزوجة مقدارها ما يشمل المسكن والمأكل والملبس " فهذا حكم وضعي لأنه يعطي وضعا معيّنا .
     بعبارة أخرى : الحكم الوضعي تارة يتعلق بأفعال الإنسان بدون توجيه مباشر كالصحة والبطلان والطهارة والنجاسة والجزئية والشرطية والمانعية ، وتارة أخرى لا يتعلق بأفعال الإنسان مثل الزوجية والملكية ، فنقول إن هذه الصلاة صحيحة أو باطلة ، وهذا الإناء طاهر أو نجس ، والركوع جزء من الصلاة ، والوضوء شرط في صحة الصلاة ، واللباس المصنوع من جلد غير مأكول اللحم مانع عن الإتيان بالصلاة ، وهذا الرجل زوج لهذه المرأة ، وهذا البيت ملك لزيد ، وهـذه الأحكام كلها ليست متعلقة بفعل الإنسان بشكل مباشر إذ ليس لها توجيـه عـملي مباشـر ، فإذا قلنـا بـحكم وضـعي مثـل " بطلان الصـلاة " مـثـلا فـإنـنـا نـحـتـاج إلى حـكـم تـكـلـيـفي لـه توجيـه عـملي مباشـر مثـل " وجوب إعادة الصلاة " .
نسأل السؤال التالي :
مـا هـو الارتبـاط بين الحكـم التكليفي والحكم الوضعي ؟ هل هناك علاقة بينهما ؟
الجواب :
     نعم توجـد علاقـة بين الحكـم التكليـفي والحكـم الوضـعي لأنـه " لا يوجد حكم وضعي إلا ويوجد إلى جانبه حكم تكليفي  .. هذا ما قاله الشهيد في الحلقـة الأولى ، ولكنـه في الحلقـة الثانيـة يقول : " الأحكام الوضعية التي ليس لها توجيه عملي مباشر ، وكثيرا _( يعني ليس دائما ) ما تقع موضوعا لحكم تكليفي "
اذا الحكم الشرعي هو التكليف .. والخطاب الشرعي هو المبرز للحكم والكاشف له..
وعليه فالحكم الشرعي يمر بمرحلتين :-
الاولى :-
مرحلة الثبوت للحكم .. وفيها ثلاثة عناصر ( الملاك والارادة والاعتبار)
1-          الملاك : وهو مايشتمل عليه الفعل من مصلحة ....فالمولى يحدد المصلحة لهذا الفعل ويدرك المصلحة
2-          الارادة : اذا ادرك المولى هذه المصلحة تولدت ارادة لذلك الفعل تتناسب مع المصلحة المدركة .
لذا فان الاحكام التكليفية الخمسة تتحدد على ضوء وجود مصلحة او مفسدة ووجود ارادة او مبغوضية  تتناسب مع تلك المصلحة او المفسدة.. فمثلا :
مبادئ الوجوب هي الارادة الشديد، ومن ورائها المصلحة البالغة درجة عالية تأبى عن الترخيص في المخالفة.
ومبادئ الحرمة هي المبغوضية الشديدة، ومن ورائها المفسدة البالغة إلى الدرجة نفسها.
والاستحباب والكراهة بتولدان عن مبادئ من نفس النوع، ولكنها أضعف درجة بنحو يسمح المولى معها بترك المستحب وبارتكاب المكروه.
وأما الاباحة فهي بمعنيين،  :
1-           الاباحة بالمعنى الاخص التي تعتبر نوعا خامسا من الاحكام التكليفية، وهي تعبر عن مساواة الفعل والترك في نظر المولى.
2-          : الاباحة بالمعنى الاعم، وقد يطلق عليها إسم الترخيص في مقابل الوجوب والحرمة فتشمل المستحبات والمكروهات مضافا إلى المباحات بالمعنى الاخص لاشتراكها جميعا في عدم الالزام.
والاباحة (اما ان تكون اقتضائية او لا اقتضائية )
فالاباحة اللا اقتضائية:-
  تنشأ عن خلو الفعل المباح من أي ملاك يدعو إلى الالزام فعلا أو تركا، فملاكها لا إقتضائي
والاباحة الاقتضائية :-
  تنشأ عن وجود ملاك في أن يكون المكلف مطلق العنان، ، فملاكها إقتضائي.

والآخر: الاباحة بالمعنى الاعم، وقد يطلق عليها إسم الترخيص في مقابل الوجوب والحرمة فتشمل المستحبات والمكروهات مضافا إلى المباحات بالمعنى الاخص لاشتراكها جميعا في عدم الالزام.

3-          الاعتبار :-
تنطيم خاص من قبل المولى لتحويل الارادة الى صيغة معينة لا تتنافى مع عالم التشريع .. اي يصوغ الارادة صياغة جعلية ضمن عالم التشريع , اي يجعل الفعل على ذمة المكلف حيث يرسل ويحرك المكلف على الفعل ( في عالم التشريع )او يلزم المكلف على التحرك ..
اذا الاعتبار هو الجعل والصياغة للملاك والارادة بصورة معينة .
اذا لكل فعل ملاك وارادة بحيث تتناسب الارادة مع الملاك , وكلما وجد الملاك وجدت الارادة , وبعد تولد تلك الارادة (في عالم التشريع ,عالم التخيير , عالم اللا جبر ولا تفويض , عالم الامر بين الامرين )فانه يحصل لتلك الارادة تنظيم خاص ويحولها الى صيغة معينة لاتتنافى مع عالم التشريع فيقول ( ساجعل هذا الارادة صياغة اعتبارية احقق فيها ما اريد فيقول اعتبر ها اللفظ على ذمة المكلف )
اذا الاعتبار عمل تنظيمي وصياغي اعتاده المشرعون والعقلاء وقد سار الشارع على طريقتهم ..
وفي مرحلة الثبوت فان الاعتبار ليس ضروريا .
الثانية :-
مرحلى الاثبات والابراز
وهي المرحلةالتي يبرز فيها المولى - بجملة إنشائية أو خبرية - مرحلة الثبوت بدافع من الملاك والارادة، وهذا الابراز قد يتعلق:-
-      بالارادة مباشرة، كما إذا قال أريد منكم كذا،
-     وقد يتعلق بالاعتبار الكاشف عن الارادة، كما إذا قال: (لله على الناس حج البيت من إستطاع إليه سبيلا).
وإذا تم هذا الابراز من المولى أصبح من حقه على العبد قضاء لحق مولويته الاتيان بالفعل، وإنتزع العقل عن إبراز المولى لارادته الصادر منه بقصد التوصل إلى مراده عناوين متعددة من قبيل البعث والتحريك ونحوهما.
                         اعداد الدرس – حبيب السعيدي   - السبت  1/ 3/2014




0 التعليقات:

إرسال تعليق